حدث خطأ في هذه الأداة

الجمعة، 5 ربيع الآخر 1434 هـ

الرسالة الثالثة

عزيزي لؤي

الرسالة الثالثة

نعيش اليوم في دوامة ..

دوامة شبه مبرمجة .. فبينما ينهار البلد رويداً رويداً .. ترانا علي مدي ايام وأسابيع نتحدث دون ملل أوكلل عن لاعب كرة قدم إنتقل من نادي الي اخر بعد سبعة عشر عاماً من العك الكروي في الأول ..

ولقد وصفته في رسالتي الأولي بالفاشل .. وحتي أكون أكثر عدلاً .. كلهم عباقرة في الفشل فلم نفرحُ يوماً بكأس أو بطولة .. ولكن ليست هذه هي المسألة بالطبع..

فلماذا هم فقط الفاشلون ؟؟ وكأنهم من كوكب اخر ..

أنه علي ما أعتقد ما يسمونه الاقتطاع من السياق .. ولكي يكون سياقناً كاملاً فلابد من أن نذكر أن نفس الشئ نقوله عندما نذهب الي المستشفيات ولانجد العناية التي نعتقد .. فنصفُ الأطباء في السودان بالفشل ايضاً .. هؤلاء الأخيرون تنسج حولهم الاساطير الان ..

او حين يكون الحديث عن التعليم .. نفس الشئ نلوكهُ في أحاديثنا اليومية .. ولما لا حين تتحول المدارس والجامعات الي حواضن وفراخات لألاف من الأغبياء حيناً .. والمتطرفين أحياناً اخري..

وقبل ايام قلائل أحد الأصدقاء كان يقص علي كيف أن مجموعة من المحكوم عليهم في قضية قتل احد الغربيين في الخرطوم قد فروا من السجن .. لا بل أن عملية التخطيط والهروب نفسها منشورة علي اليو تيووب .. حتي الشرطة يبدو انها فاشلة..

ليس هذا وحسب فاليوم وأنا استمع وأتقلب بين محطات الراديو كعادتي حين اكون متجهاً للعمل صباحاً .. اذا بتقرير يتحدث عن فشل مشروع تم بموجبه توزيع سيارات نقل صغيرة علي الشباب لتوفير فرص عمل لهم ..

بالمناسبة نشر ايضاً ان وزارة الصحة اعلنت فشل فكرة التشغيل الذاتي للمستشفيات .. أعتقد ان هذا يهمك بصفتك طبيب.

لا تنزعج من رسالة الفشل هذه فعلي ما يبدو أن دولتنا ذاتها فاشلة ..

قليل من التفاؤل ضروري .. فكل فشل ما هو إلا فرصة للتطوير..

أيمن 04/02/2013

الأحد، 29 ربيع الأول 1434 هـ

الرسالة الثانية


كما حدثتكَ من قبل .. كان هويكيرو يبعث برسائلهِ الي صديق تشيكوسلفاكي عبر اشخاص من بغداد الي تشيكوسلفاكيا .. وهذا الأخير بدورهِ بعث برسائل هويكيرو بعد اختفائه في دوامة بغداد الي صحيفة تشيلية مرفق معها تعليقاته علي كل الرسال بأسبانية ركيكة .. تعمد مؤلف الرواية علي كتابة التعليقات بتلك الركاكة الشئ الذي كان مرهقاً جداً بالنسبة لي وممتعاً ايضا في نفس الوقت .. لأنني كنت حينها كمن يحاول فك طلاسم ..

تكتيك جميل من المؤلف .. اليس كذلك؟

وفي إحدي رسائل هويكيرو .. وصف لصديقه يوم ذهب الي مكتب البريد في بغداد لأستلام رسالة بأسمه ..

كم كان هذا الوصف ممتاذاً .. لأنه ببساطه ذكرني بالبريد بهيئته القديمة .. حيث كنتُ يوماً اذهب الي مكاتب البريد لألقي في جوف احد صناديقهِ رسالة أو اذهب ممنياً النفس بأستلام اخري .. فالبريد يوماً كان قبلةً يولي الناس وجوههم شطرها .. لأرسال رسالة أو استلام أُخري .. أو حتي مكالمة بعيد غائب .. حتي انني تحت تأثير هويكيرو تذكرت يوم ذهبت الي مكتب البريد لأفتح حساب توفير فيه.. ليس هذا وحسب حتي كلمات أبي وهو يصف احد معارفه بأنه رجل مهم دبت فيها الحياة من حيث لا أدري .. أتعرف لماذا كان رجل مهم؟

لأنه كان وكيل بستة ..

اما الأن فأني أكتب اليك رسائلي هذه وأبعث بها عبر مكتب البريد الجديد .. المكتب المسمي انترنت .. صندوقه بريدك الألكتروني أو مدونتك أوحتي ذلك الموقع الأختبوطي المسمي الفيس بوك .. أوكما يحلو لأحد الأصدقاء ترجمته حرفياً بوجه الكتاب.. اما وكيل البستة فلم يعد سوي حسابك الخاص..

يا للبرود....

ايمن 26/01/2013

الثلاثاء، 24 ربيع الأول 1434 هـ

الي صديقي لؤي -1

عزيزي لؤي

اخباركَ مقطوعةٌ عنا .. فأخرُ ما اعرفهُ عنك هو انكَ في ادغالِ افريقيا تعملُ كطبيب مقتفياً اثارَ البيرت شفايتزر...


اشياءٌ كثيرة تدفعني للكتابة اليك .. العام الجديد .. اعياد الإستقلال البائسة.. إنتقال احد الفاشليين من فريق لكرة القدم الي اخر .. ارتفاع الأسعار .. موت مطربٍ ما .. وأشياءٌ اخري .. ولكن اهم شئ هو رواية ..

رواية من اربعمائة صفحة ، اكملتها كلها من الغلاف للغلاف .. ففي مثل هذا الظلام الذي يتلبد مستقبل شعب ، التهم انا اربعمائة صفحة ياللهول !! هل تصدق هذا؟

انتَ تعرف بالطبع وعلي العكس منك ، ما كنتُ انا من عشاقِ الروايات يوماً ، رغم الأعتقاد الجازم الذي اعتقده في أن الفنون والرواية ما هي سوي مرايات تنعكس عليها وقائع الحياة ومنعطفاتها التاريخية. ورغم انني قبل اكثر من عشرون عاماً كنت مفتوناً بالرواية الروسية إلا ان الأمر لم يستمر معي طويلاً فقد يكون هذا الأفتتان مردهُ مجرد ميول ايديولجية بشكل او بأخر ما لبث أن تلاشي ، أو قد يعود سبب عدم رغبتي بالروايات هو ميلي المستمر لأستعجال النهايات.

كان هكذا الحال حتي اعرتني قبل خمسة عشر عاماً كما اذكر بعضاً من رواياتك الخاصة ، اتذكر؟

الحب في زمن الكوليرا .. جورج امادو .. الخبز الحافي .. مدن الملح .. وبعض كتابات غسان كنفاني..

كل هذا جال بخاطري بعد ان أكملت بريد بغداد ..

بريد بغداد هو عنوان رواياتي التي قراتها بعد كل هذه السنوات .. واكتب اليك بسببها...

ولا أعلم لماذا من بين عشرات العناوين اختار انا بريد بغداد ..

أيكون هذا إطلالٌ من بعض ذكريات مدفونة ومعنونة كذلك ببغداد .. قد يكون .. فذكر بغداد يوماً كان دائماً ما يثير في دواخلي بضع ابيات من قصيدة شاعر نسيتُ مع الأيام من يكون قال ...

الفراشات الصغيرات سألن العابرين ...

ماذا تعني فلسطين..

فأجبن وردة تيتمت بالعشق مليون مقاتل..

من نشامي ومغاوير العراق.. (أو كما قال)

المهم...

الطريف ان كاتب الرواية وبطلها من تشيلي .. وتشيلي ايضا تذكرني بأشياء قديمة .. مثل ملح تشيلي في حصة الكيمياء .. أو بديكتاتورها بينوشيه ..

البطل هويكيرو كما أسماه المؤلف هو رسام طار من تشيلي الي جيكوسلفاكيا .. ليتزوج ومنها الي بغداد .. حيث تدور كل الأحداث .. التي تبدأ من مؤتمر للشباب اليساري .. مروراً بلقاء عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف .. انتهاء بأختفاء هويكيرو مع الأكراد الذين مثلوا له قضية توئم أحب أن يتبناها .. لالشئ سوي انها نفس قضيته في تشيلي .. فبطلنا من اقلية المابوتشي التي تبحث عن حقها المسلوب..

كل تلك الأحداث والشخصيات كانت في شكل رسائل بين هويكيرو وبرفيسور جيكوسلفاكي ..

فهل انا قادر علي أن افعل الشئ نفسه .. اعني ان أنتظم بمراسلتك بأنتظام .. لعلَ هذا يؤنسُ غربتك .. ويفرجُ بعض الضيق عني...

ايمن 12/01/2013