حدث خطأ في هذه الأداة

الثلاثاء، 4 محرم 1428 هـ

هذه هي حقيقة الحرب


الحرب نار وقودها الناس والحجارة


الطلقات الفارغة























اجتماعات ومباحثات واتفاقيات – ماذا نريد منها؟




اتفاق سلام جنوب السودان بين حكومة السودان وجبهة الجنوب
اتفاق سلام غرب السودان بين حكومة السودان وجبهة الغرب
اتفاق سلام شرق السودان بين حكومة السودان وجبهة الشرق


وما القادم ياترا؟؟..

اتفاق سلام شمال السودان بين حكومة السودان وجبهة شمال السودان
اتفاق سلام وسط السودان بين حكومة السودان وجبهة الوسط
اتفاق سلام العاصمة المثلثة بين حكومة السودان والجبهة المثلثة

هذا ليس بمزاح ، او كما نقول بالعامية تريقة ، فحاشا للة ان تكون قضايا الوطن ساحة لذلك ، كل ما في الامر انني كلما طالعت وجهي البالغ مليون ميل مربع، في مرايا نفسي اجدة مثقلا بالهموم وترتسم علي قسماتة تساؤلات شتي تدور حول امور بعيدة كل البعد عن مايدور في الساحة الان.

الحرب توقفت ، امر عظيم ، فمن ذاك الذي يسعي لها؟ فهي دائما تولد الخراب والفقر والتفكك والكره، وحين تنتهي دائما يولد السلام الذي بدوره يولد التعمير والاكتفاء والحب ، لهذا نحن نصفق لمن يوقف دولاب الاقتتال ونصفق اكثر لمن يطيل عمر السلام ويجعله حقيقيا وليس فقط ايقاف لاطلاق النار أو مجرد هدنة.
وكرجل شارع عادي لوطالعة اتقاقيات السلام تلك عشرات المرات لربما لم افهم شيئا، فالمهم عندي علي الاقل الان وفي هذه المرحلة الامن والامان ، حاياتي اليومية وحاجياتها .
ان اتفاقيات الجنوب والتي توقفت الحرب علي اثرها واتفاقيات الشرق والمساعي الجادة في الغرب، والخروقات الامنية هنا وهناك واخيرا داخل العاصمة الشئ الذي لم يجربه اهلها من قبل ولم يتذوقوامرارة طعمه كلها افرازات للحقيقة المسكوت عنها والتي يجب ان نواجهها بشجاعة كضريبة يجب ان تدفع من اجل السلام الحقيقي ، هذه الحقيقة هي ان السودان طيلة السنوات الماضية ومنذ الاستقلال كان وطن مجزئ غير معلن عنه، بأرادة من ومن اجل من ولمصلحة من لايهم، فهذا لايغير من الحقيقة الكثير.
والغريب هو ان هذه التجزئة لم تكن ابدا بين سواد الشعب السوداني كسلوك ثابت في ميكانزمات التعامل اليومي له مهما قيل فاين نحن من التفرقة العنصرية في امريكا القرون الفائتة او في جنوب افريقيا. بل كانت بين الساسة والزعماء والنخب التي حكمت هذا البلد ونتيجة لسياساتها والاوضاع الطبقية التي خلقتها بنهبها وافقارها لهذا الشعب، الاتلاحظون ياساده انه كلما ازدادت الفوارق الطبقية كلما اصبحت التفرقات بشتي انواعها، العرقية والثقافية والدينية اكثر وجود واشد بروزا.نعم انا من ابناء المدن وتحديدا من هؤلاء الذين ولدوا بالعاصمة، ولم اري هذا التلاحم الشعبي الذي اتحدث عنه راي العين، ولكني لمسته بصدق في قرية صغيرة بائسة الاكواخ المبنيه من طين فيها قمة الترف. قرية نمت حول احدي المناطق الصناعية بالقرب من العاصمة كدليل صارخ علي التنمية غير المتوازنة من جانب وعلي الافقار المنظم للاطراف مما جعل الناس يفرون من طاعون الفقر والحرب الي حياة البؤس والحرمان والاامل، قرية يقطنها فقراء من كل حدب وصوب، مسلمين ومسيحيين عرب وزنج يجمهم فقط الفقر والشعور الواحد بكونهم بشر.فلاوجود لما نسميه فروقات نتحدث عنها بأذهاب ونتفاوض من اجلها ونوقع الاتفاقيات، لاادري ماذا حل بهذا النموزج الان بعد اكثر من ثمان سنوات، افتك بهم الفقر وجعل الناس تأكل بعضها بعضا، ام تسلل بينهم احد المتفزلكين واقنعهم بأنهم مختلفون فيما بينهم دينيا وثقافيا وعرقيا وعليه فأن هذا كافي ليقتتلوا ويتحاربوا.. لاادري؟
نعم ان الامر كذلك ، فنحن متحدون والذين في الاعلي هم الذين يودون تقسيمنا لخدمة مصالحهمن ، والا فما الذي كان يجعل العرب يذهبون الي الدينكا ليرعوا في اراضيهم ؟!، وما الذي كان يجعل اهل الغرب يتقاسمون الماء والكلاء عربهم وزنجهم علي قلته ؟!، ما الذي جعلنا الان نتحدث عن اختلافنا ونسعا جادين لتمذيق هذا الوطن ؟!، ما الذي يجعل الكل يحارب الكل ولايطيقة ، الاجابة ببساطه انه الفقر والافقار ، الفساد وحب السلطة والتسلط ، حتي ولوكان علي جماجمنا. فهل ياترا اذا ما حفرت الابار وشقت الطرق وبنيت المدارس والمستشفيات ونظمت الزراعة والرعي ، باختصار اذا ما كنا استثمرنا ثرواتنا ووظف ما استدناه من اموال في مشاريع حقيقية اكانت حرب الجنوب استمرت كل هذا الامد؟ وهل كان ما يحدث الان في الشرق والغرب ليحدث؟ لا بالطبع فما حدث ليس بسبب الاختلافات العرقية والدينية والثقافية كما يشيع البعض كل الامر انه بسسب الفقر بسبب النهب المقصود وغير المقصود، بسبب افقار البلاد من مواردها لسؤ التخطيط وتخبط النخب الحاكمة لسودان منذ استقلالة، فماذا عسانا ان نتوقع من مجموعة جياع وضعت امامهم لقمة واحدة!!
وبما انني جغرافيا من اقصي الشمال فالوضع ليس باحسن من البقية فقط بفارق ان اهل المنطقة ليسوا هناك الان فقد رحلوا عن قراهم وتركوها لرمال الصحراء لتبتلعها ثم تاهوا بين قصور الخليج.

يا سادة جهودكم مقدرة ولكن ما يعنينا ان نمشي مطمئنيين، ان نجد تعليما جيدا لابنائنا دون ان يطالبنا احد برسوم للكهرباء والماء والكتب والمعلم ، ان نذهب للمستشفي فلانرغم أن نشتري و ندفع من الشاش الي ............. لايهم. ان نجد فرص للعمل تكفيني مهانة السفر وعنائه.
لاتهمنا كثيرا عائدات النفط وكيف تقسم ، لايعنينا تقسيم السلطة واشكاله ومن فوق ومن تحت فالان نحن جياع فقراء وضائعين ، وكفي.

الجمعة، 29 ذو الحجة 1427 هـ

الزعيم والشماسة




ينما اطالع تقريرا اخباريا عن الحرب في السودان، وليس هذا بجديد فنحن نعلم اهولها أكثر من غيرنا، الا انني توقفت عند فقرة فيه تقول (فحجم الناتج القومي -رغم ثروات السودان الطبيعية الضخمة- لا يتجاوز 52 مليار دولار (عام 2001) في حين بلغ في دولة مثل كوريا الجنوبية التي كان يصنفها صندوق النقد الدولي في الستينيات هي والسودان "كحالتين ميئوس منهما" 472 مليار دولار). والتقرير بالطبع صحيح والا كيف ملئت سيارات كوريا كل شوارع الخرطوم والمدن الاخري. وعندها بالضبط تدافعت في ذهني التساؤلات هل نحن فقراء أم كسالي ، أم مغفلين ، أم ضحايا أم أم أم؟؟؟

هذه التساؤلات نقلتني الي الوراء عبر الذاكرة، يوم دخل اهل الحل والعقد (دون ذكر للمسميات أو الاماكن ، ففي كل بلد ما جماعة ما بيدها مفاتيح كل شئ) اقول دخلوا علينا قاعة الدراسة ، ولانهم اهل الحل والعقد فتحوا الابواب صارخين..
- الزعيم يريد الطلاب من اهل البلد فقط.

ولانه الزعيم اغلقنا الدفاتر والكتب ، وكنس المحاضر حاجياتة كنسا من علي الطاولة، وخرجنا متدافعين.

وكعادة الطلاب دائما تستهويهم المغامرة، قررنا خوض غمارها، فهذه فرصة لاتعوض لرؤية الزعيم عيانا بيانا، ولاننا كنا نشبه من حيث الشكل بعض اهل البلاد، بدت المغامرة قابلة للتحقيق ، وهي مغامرة لان الاوامر كانت واضحة .. الطلاب من اهل البلاد فقط.
استقلينا حافلات كانت في انتظارنا، فانطلقت بنا الي اين لااحد يدري فالزعيم لايقول، ولحسن الحظ كان مكان القاء قريبا عند اكبر قاعة اجتماعات في المدينة.. حيث احيطت بعشرات الجنود المدججين والسيارات المصفحة..
ووسط هذا الزحام كاد قلبي ان يتوقف حين فاجئني احدهم قائلا..

- أنت عندكم في السودان (م ط) ؟
فقد خارت قواي ، فأنا لا ادري اصلا ما هو ال (م ط) ولكن الشئ الواضح هو اننا كنا مكشوفين ومخالفين للتعليمات، وفي غمرة هذا الارتباك اجبته..
- طبعا عندنا بس هو شنو ال (م ط)؟
فأشار الي مدفع محمول علي سيارة وقال..
- مضاض لطائرات..
ولحسن الحظ لم يدر الحديث طويلا فقد بدأت عملية التفتيش.

تفتيش دقيق ، يقلبونك راسا علي عقب ، فعلي جسمك تارة تدغدغك اصابع الجنود الخشنة، وتارة اخري تثير اشمأزازك، ثم امرونا بأن نضع كل شئ خارجا قبل الدخول، الاقلام الساعات الكتب الحقائب، حتي الاحزمة، كلها تركناها خارج القاعة في تلة عظيمة من الحاجيات. وقرابة الساعة جلسنا داخل القاعة في انتظار الزعيم، في سكون اشبه بسكون الموت.
وفجأة يدخل علينا من باب صغير، تحت هدير من الهتاف والتصفيق والحماس، وهذا امر مهم فعكس ذلك قد يثير حولك الظنون، وأهل تلك البلاد دائما ما يحكون نكتة بهذا الخصوص، حيث يقولون ان الزعيم ذات مرة زار احدي المناطق فخرج اهلها لاستقباله كالعادة هاتفين بحياته ونظامه، وكان احدهم يستصحب ابنه الصغير والذي باغته بين الناس متسائلا ..
- ابي اليس هذا هو الرجل الذي تغلق في وجهه التلفاز؟؟
فتجاهله الاب فكررها مرة اخري فما كان من الرجل الا وصرخ..
- ياناس ابن من هذا يا ناس؟؟
المهم جلس الزعيم ونشرت من خلفه خريطة كبيرة للعالم، ثم باشارة من يده حل السكون ثانية ارجاء القاعة. ثم اخذ بالاسترسال في حديث مطول عن المياه ومصادرها واستخداماتها واستهلاكها العالمي، ثم اخذ يشرح كيف أنها سوف تكون في المستقبل القريب المسبب الاول للحروب للسيطرة علي مصادرها ، وهكذا اسنمر حتي وصل لحقيقة يعتقد بصحتها الاوهي ان بلاده من تلك البلدان التي ليس لها مستقبل بسبب ندرة المياة وعليه يجب الرحيل منها. كذا...
بالمناسبة ليس الرحيل بالامرالسهل كما يعتقد الزعيم فلا زال وحتي الان يتوق اهالي حلفا القديمة الذين عاشوا فيها اليها، ولازال الفلسطينيون يناضلون ليعودوا لارضهم من الشتات.
وفجـأة تتحول نبرة الزعيم الي شئ من التوبيخ عندما يتسائل..
- ام أنكم لاتشعرون بالمشكلة ويلف (السن توب) رؤسكم؟...
ثم مستهزئا ومدلل علي صحة كلامه أخذ يحكي كيف أنه ذات مرة زار احدي الجامعات فلاحظ ان الطلاب يشربون شيئا في علبة كرتونية ويرتشفوه بأنبوب صغير وحين سأل عن ذلك أجابه حراسه بأنه (السن توب) عصير برتقال مستورد من اوروبا، ثم تسائل...
- هل تعرفون ما بداخل تلك العلب؟؟...
- لا (القاعة كلها وبصوت واحد).
- انه البترول، صدرتموه وعاد اليكم عصير برتقال، وعندما ينتهي مافيش (سن توب)تاني...
ثم واصل...
- في الماضي هاجرنا لدول الجوار ونحن فقراء فأصبحنا عالة عليها، اليوم نحن أغنياء وهم فقراء سوف تكون حالة اشبه بالشراكة هم بالمياة والارض ونحن بالمال...
وهنا تخيل الموقف...
- عليكم وبما انكم الشريحة المستنيرة والثورية الذهاب الي بيوتكم مباشرة لتقنعوا ذويكم بالرحيل الي بلدان لها مستقبل لان بها مياة أما البترول فسوف نقدره ونتقاسم ثمنه، لقد حانت لحظة العمل أم تريدون ان تكونوا شماسة.. أتعرفون من هم؟؟
- لا (مرة اخري وبصوت واحد)..
- أنهم السودانيون أعطاهم اللة مياة من فوقهم ومن تحتهم واراضي خصبة ويجلسون تحت الشمس يتباكون بأنهم فقراء وجائعون...

وبشكل غريزي ثارت في دواخلنا ثورة للدفاع عن بلادنا، وانزلنا عليه وعلي نظامه جام غضبنا ولعناتنا ، بالطبع في أذهاننا فقط فنحن بين يدي الزعيم.. ثم عدنا ادراجنا كما أتينا نحكي لمن فاتهم من الزملاء، وطيلة ايام نغص علينا الزعيم حياتنا فما أن تمشي في الشوارع حتي يهتف فيك احدهم يا شماسي.
الزعيم لايدري أن الشماسة هم من دفع ثمن تعليمنا ورغد عيشنا سنينا، وهم من دفع ويدفع ثمن أخطائنا السياسة والاقتصادية والاجتماعية، الزعيم لايريد ان يقول ان فطرة الانسان الاستقرار والامان وليس التشرد والضياع, الزعيم لايدري ان الشماسة ليسوا افراد فقط بل حتي دول تدفع ثمن رفاهية دول اخري. فهذا هو مفهوم الشماسة الذي اعرفة ولكن بمفهوم الزعيم اي اناس يملكون ويتكاسلون فأعتقد انه صحيح
فماعليك الا ان تزور اي دائرة لاجراء اتفه اجراء وسوف تري بأم عينك الزعيم هناك.

لماذا لايتقدم السودان؟


تكاد ألاسباب لاتعد ولاتحصي في نظر من أراد الاجابة علي هذا السؤال مستخدما العقليه الجمعيه السائده الان. هذا السؤال الذي بات مدفونا في لاوعيها بسبب الشعور المتزايد بعدم جدوي الاجابة عليه بل بعدم امكنية ذلك أصلا. وبين الفينة والأخري يفلت من الاوعي ليظهر علي السطح لافي شكل اجابه بل في مقولتنا الشهيره (البلد دي ما بتمشي ليقدام)..

فأذا سألت رجل السياسة عن لملذا لايتقدم السودان، أختزل المشكلة أو العله الاولي في الوضع السياسي غير المستقر للبلد, فالدائره الجهنميه ( انقلاب، حكم مدني، انقلاب) لم تتوقف عند هذا الحد بل أخذت تدور في دوائر لولبية داخل نفسها ايضا بانقلابات داخلية حتي في النظام الواحد، فكيف يتقدم السودان وهو غير مستقر سياسيا. أما رجل الاقتصاد فلن ينطلق أغلب الظن من مفاهيم بقدر ما سوف ينطلق من أرقام، فكيف السبيل الي التقدم في ظل اقتصاد منهار اساسا ينخر الفساد عظامه، فأين الصناعة التي تسند عوده واين الزراعة التي تسد رمق مواطنيه،قبل ان نتشدق بأننا سلة غذاء العلم ..

أما رجل الاجتماع فما أحسب أن كلامه سوف يكون اخف وطئه من سابقيه، ففي نظره العقبه الاساسية في المجتمع ، فكيف يتقدم بلد ما وموارده البشرية معطلة ، افليست هي الاساس الاول لتقدم البلدان وتاخرها ..

وسيضرب الامثال من الخارج لاننا لانعرف عن الداخل شيئا فيقول لك .. خذ تراجع روسيا الاخذ في الاطراد كمثال و كدليل علي اهمية افراد المجتمع ، فعدد السكان يتناقص فيها بمعدل 750000سنويا بسبب تدني عدد المواليد وازدياد الوفيات وليث هذا وحسب بل أن الروس يشيخون بسرعة مما يؤثر علي الانتاجية .. فكم ياترا نموت نحن سنويا وكم نشيخ يوميا بسب الغبن والاحباط وفقدان الامل ؟؟ .. واذا رجعنا لرجل الاجتماع مرة اخري سنجده لازال متمسكا بصحة رأيه ، وكيف لا فكم هي نسبة الامية في السودان أحدهم قال لي ذات مره أنها أكثر من70% من مجموع السكان.. انا شخصيا أشك في هذا الرقم ولما لا!.. في ظل فاقد تربوي متصاعد ومستويات تعليم متدنية اصلا بل مضحكة ، واي امية نقصد بالاساس؟. وحتي من يخالف ما ذكر لايملك دليلا علي خطأه في ظل انعدام المعلومات وضعف الاحصائيات .. وهنا ستتحول المشكلة في نظر رجل الاجتماع الي مشكلة معلوملت واحصائيات يجب حلها لتظهر نقاط الخلل في المجتمع فيمكن حينها حل معضلته وبتالي معضلة تقدم السودان..كذا .. او علي اقل تقدير يمكن ضرب الامثلة من الداخل واجتناب عناء الذهاب للخارج لضرب الامثال.

وبين السياسى والاقتصادي ورجل الاجتماع, تتعدد الاسباب وتتلون، فيقف امامها المثقف حائرا بأيهم يأخذ .. أو بما يبدأ .. أو ايهم اجدر من غيره بالاعتبار بحيث يكون كمظله اذا ما ازيلت انكشف ما تحتها وعرف.

موقف المثقف هذا في اعتقادي جعله يقوم بعملية فسفسه ان جاز التعبير بحيث انه حول فسيفساء المشكل السوداني الي فسيفسائات اصغر و اصغر عله يجد نقطة البداية أو العلة الاولي، أقول ان هذا الموقف قاد الوضع الي مزيد من التعقيد مما قاد المثقف نفسه الي نتيجة أن المشكل الاول هو ذاته ، اي المثقف.

أن هذا الاخير هو أخطر السابقين علي الاطلاق، فهو ليس بجهه أو هيئة أو منظمة، فهو في كل مكان مع السياسي .. وبين الاقتصادي وفي المجتمع .. وهو كذلك لانه يمكن أعتباره عقل الشارع والناطق باسمة ..
هذا العقل العاجز حينا والمتخبط حينا أخر ، هذا المؤشر الذي لا يستقر علي حال ، هو أول من سينقل الي الشارع بل هو أول من ثبت في عقلنا الجمعي ولاشعورنا مفهوم (البلد دي مابتمشي ليقدام) حين يعجز عن تقديم الحلول لنفسه ناهيك عن غير، فهو في حاله أدمان دائم علي الفشل .. كم يزكرني هذا بعنوان كتاب د/منصور خالد...النخبة السودانية وأدمان الفشل.
أن الوضع الراهن الذي وصلت الية البلاد لهو اكبر دليل علي اننا اصبحنا ننطلق في تفكيرنا من الفرضية الاولي و الاساسية (البلد دي مابتمشي ليقدام) في التعامل مع مشاكلنا المزمنة واليومية لابل حتي في التعامل مع بعضنا البعض كافراد في مجتمع واحد ، وهنا سيكون التفسير لكل ماهو غير منطقي ورغم ذلك نسلكة كمحور تفكير ثان حين نقول (البلد دي ماعندها وجيع).
والادلة علي ذلك كثيرة .. افليس غريبا ان نري وطننا يتفتت ولايحرك احدا ساكنا؟! .. افليس مدهشا ان يكون تيار التاريخ يسير نحو التوحد ونسير نحن عكسة بحيث نقبل التجزئة دون حتي مراجعة للذات؟! ..
اليس غريبا ان نتقاعس عن مشاكلنا ونترك انفسنا للاخرين ليتخذوا منا سلعة لترويج مصالحهم؟ .. ثم نجلس ونتباكا ونحن نري سيادتنا تسلب منا!..
اليس الامر مدعاة للتسائل حين نرضي ان نعيش في بيئة فاسدة تملؤها الرشوة والمحسوبية؟! .. لابل اكثر من ذلك حين نسمع بارتفاع سعر سلعة مثل البنزين ولايحرك ذلك فينا شيئا..
فما الذي اصابنا! .. ما الذي حولنا من اناس الي مجرد جمادات لاحراك فيها؟ .. حتي السلوك الفطري للانسان حين يشعر بالخطر اختفي .. اهو كذلك ام هي السكتة التي تسبق انفجار البركان .. كل هذا اراة حين اطالع صورتي في المراءة .. فكيف السبيل لاري وجهي المشرق من
جديد...؟

الخميس، 28 ذو الحجة 1427 هـ


بعد مسلسلات رمضان ورغبتها في امتلاك الطاقة النووية
هل فقدت مصر ام الدنيا القيادة

احداث كثيرة وشبه مفصلية جرت في المنطقة العربية.. اوفي الشرق الاوسط قديم كان او جديد كما يسميها البعض .. احداث صنعت الواقع الحالي وشكلت ملامحة ، و ادت في مجملها الي تقليص ان لم يكن انهاء دور مصر الاقليمي للمنطقة بحكوماتة وشعوبة ، كقيادة تاريخية ذات ثقل.هذا ما لفت انتباهي بعد ان شاهدت بعض من مسلسلات رمضان المصرية ومقارنتها بمثيلاتها العربية من حيث المستوي والمضمون ومنذ ان اعلن جمال مبارك في احد مؤتمرات الحزب الوطني الحاكم في مصر رغبتها في امتلاك الطاقة النووية بعد ان قطعت دول اخري مشابهه اشواط في هذا المجال.

ان انفلات القيادة بات امر شبه المؤكد وهذا ما يجب ان يعرفة اهل المحروسة ، بل ويعرفة العرب اجمعين ، وليس كما قال احمد ابو الغيط علي صفحات روزاليوسف في اغسطس الماضي حين قال ..(( ان ادعاء فقدان القيادة لاينظر الية هكذا فالتاثير المصري لازال موجودا بفاعلية وشدة....)) اوحيث يقول ((.. نحن لم نفقد مقومات القيادة ، والمسألة يجب ان لا ينظر اليها بأعتبارها قيادة وغياب قيادة ، انما هي قدرة التأثير والمسئلة لاتقاس بمفهوم اين القيادة المصرية؟ انما بالتأثير المصري في المنطقة العربية الذي يظهر واضحا في تحركات السياسة المصرية ...))

أن مجرد الحديث بهذه الكيفية ، وما اسهل ان نلاحظ عشرات الامثلة في الاعلام المصري ، اقول لهو اكبر دليل علي ان مصر حكومة وشعيا بتت اكثر شعورا من اي زمن مضي بان القيادة ان لم تكن قد فلتت فقد بدأت فعلا في ذلك.

وعندما نقول ان القيادة قد فلتت من مصر فأن هذا يعني بالضرورة انها كانت الدولة القائد ، ولقد كانت كذلك بالفعل ، فلها كانت الريادة علي كل المستويات ، فالمطبعة بدأت في مصر ، مما جعلها منارة للعلم وقبلة للعلماء كما كانت في الماضي دوما ، كذلك الفنون فالرواية العربية الحديثة انطلقت منها والسنيما العربية ولدت من رحمها ، والموسيقي انبعثت من جديد فيها ، وحتي علي المستوي السياسي فأول مشروع للتحديث والعصرنة كانت هي رائدتة علي يد محمد علي ، وكانت ثورة ناصر ملهمة لكثير من الثورات في المنطقة ومثلا اعلي يتبع. بأختصار كان العلماء هم من درسوا بها، ومن لم يحتذي بثورتها فما هو بثوري ، ومن لم يتغني ويقرض الشعر اويكتب في مصر لاتعرفة الجماهير ولايلقي له احد بال ، فماذا اصاب ارض الكنانة حتي اصبحت دولة لايتعدي اثرها حدودها ؟! دولة يكاد لايميزها عن الاخرين شئ.

يقول الاستاذ كرم جبر في احدي افتتاحياتة (.. لقد مضي عصر الشعبية الزائفة والبطولات الكاذبة والانتصارات الخطابية..) فهو في ذلك صادق ونتفق معه ، ولكن نختلف حين يقول ان تمصير مصائب العرب امر مرفوض فمصير مصر مربوط دون فكاك بمصير العرب ، وهذا لايعني ان تقاتل مصر وحدها ويخرب اقتصادها وحدها كما يحاول الاستاذ كرم جبر ان يشيع هو وشريحة واسعة من انصار الخط الساداتي ، فعندما نتحدث عن مصير فالجميع سيان ، ولكن الامر اصبح مختلفا الان ، حين نعي جميعنا حقيقة تخلفنا وفقرنا وعجزنا ، فماذا بقي للدولة القائد اذن في هذه المرحلة؟.
قبل الاجابة نعود الي تعريف القيادة ، أوبشكل اكثر تحديدا اي قيادة ننتظر من مصر ، ونقول ذلك لايماننا بوزنها وثقلها علي كافة المستويات ، وهنا نعود لأبوالغيط حين يتحدث عن القيادة بمعني التاثير ، ونضيف عليه ونقول قيادة المثل الاعلي والقدوة والنموذج فهذا بالضبط ماتفتقده مصر وننتظرها منها.
فهي لاتحتاج لتمصير مصائب العرب لتكون القائد ، ولاهي بحاجة لميلاد جمال عبدالناصر جديد لترد لها قيادتها والاكان ذلك سباحة عكس تيار التاريخ ، ولامطالبة باخراج طه حسين أونجيب محفوظ اخر فهي اغني من ذلك والتاريخ لايعيد نفسه ومن جانب اخر فلقد ولي زمن التفرد المطلق فالمنارات اصبحت هنا وهناك ، حتي الفنون تعددت اقطابها ، فعند رجل الشارع في كل مدينة وقرية عربية هناك قائد أوفارس في المخيلة ، عبد الناصر صدام حسين حسن نصراللة مهما قيل اواختلف الناس في ذلك ، وهناك اكثر من علم ثقافي نجيب محفوظ ، الطيب صالح غسان كنفاني ، عبدالرحمن منيف وغيرهم الكثير، حتي فنون الدراما والغناء تعددت ينابيعها كدليل لا علي فقد مصر لمكانة لامنازع لها فيها، بل دليل علي غني الامة والفضل بالتأكيد يعود لمصر اول من بداء المشوار.

وبالتالي فالدور المصري كقلب في هذه المرحلة التاريخية هي تقديم نموذج يتبع وقدوة جاذبة ، فهذا هو دورها القبادي القادم بحكم وزنها التاريخي وموقعها الجغرافي ، فنحن في أمس الحاجة لنموذج يتخذ من الديمقراطية اداة وحيدة لتبادل السلطة ، بدلا من انظمة الملك والاماره والتوريث ، لنموذج دولة المقياس الوحيد فيها هو المواطنة وليس الدين او العرق او اللون ، الي دولة تكشف الفساد وتحاربة وتشجع العلم والعلماء وتنشر التسامح ، وتكفل حق التعليم والصحة لشعبها وحين تفشل تصارحة وتقول فشلت.
نعم المشوار طويل وصعب فقد ابداؤ ومن حيث تشاؤن ، من حوادث القطارات أومن فضائح العبارات الغارقة ، من الامية والفساد وسؤ التخطيط ، من الفقر وتهريب الاثار ، أو من مصادرة الحقوق والتعزيب وتكميم الافواه ، من التطرف وتزوير الانتخابات ، أوحتي من طبق الفول الذي يناضل الملاين من أجله ، فرغم كل ماقيل ويقال فأن الجهر بالشئ في مصر لازال اسهل واكثر امنا من اي دولة عربية اخري فهذا هو قدر مصر.

الأربعاء، 27 ذو الحجة 1427 هـ


المفارقة الامريكية وأنعكاسات بواطن العم سام.

أدت المفارقة الامريكية في حروبها المباشرة الي
* تقلص الهنود الحمر من 20 مليون الي 200 الف
* 135 الف قتيل جراء قصف مدينة دريسدن الالمانية
* 160 الف قتيل في هيروشيما وعدد مماثل في نجازاكي
* 4 ملاين قتيل وجريح في فيتنان
* 700 الف قتيل منهم 500 الف طفل في حرب الخليج الاولي
* 600 الف قتيل حتي الان في غزو العراق

واعداد مماثلة في حروب شنت بالوكالة

في مقال سابق تحدثا عن نظرية اومقولة الفوضي الخلاقة الامريكية الصنع والمنشأ، وقلنا مع التشديد انها لاتعد ان تكون مجرد واجهه تستخدم لتبرير الدمار الذي يلحق بالاخرين جراء سعي الولايات المتحدة المحموم لتحقيق مصالحها، ومن جانب اخرللتغطية علي سلوكها والذي تحركة بالاساس القاعدة الميكافيلية الغاية تبرر الوسيلة والتي تتناقض مع روح العصر وشعاراتة عن الحرية وحقوق الانسان، فلا يستقيم عقلا ان اثارة الفوضي امر ضروري لميلاد النظام والعدل.
وفي حديثنا ذاك توقعنا من جراء ماخبرناه من سيايات الولايات المتحدة ان يكون الشريط الممتد من القرن الافريقي مرورا بالسودان فتشاد حتي النيجر بقعة لصراع عالمي جديد تقودة الولايات المتحدة لخدمة مصالحها مثل تقليص النفوذ الفرنسي والبريطاني في المنطقة لابتلاعها امريكيا فهي امبراطوريات اصبحت اضعف من ان تقود العالم، ومن جهة اخري السيطرة علي منطقة اصبحت معروفة بغناها من النفط والمعادن الثمينة مثل اليورانيوم.
ولم تمهلنا الاحداث طويلا علي هذه التوقعات حتي حملت وسائل الاعلام تباشير السياسات الامريكية في المنطقة، فمن زيادة وتيرة الاقتتال في دارفور وتدويل الازمة اكثر فاكثر وظهور تمردات قوية ونشوب حرب في تشاد و طرد القبائل العربية من النيجر كمقدمة لحرب اهلية بثوب عرقي الي الظهور المفاجئ للمحاكم الاسلامية في الصومال يبتلع البلاد ابتلاعا ثم ولاسباب غير معروفه تتدخل اثيوبيا لتذكي نيران الحرب في القرن الافريقي وتجعل باب التدخلات الخارجية مفتوحا علي مصراعية، هذه الحرب التي اتفق الجميع علي انها حرب بالوكالة واختلفوا في كنه الوكيل المحاكم ام اثيوبيا.
واذا كانت كل الطرق تؤدي الي روما فأن كل خيوط الازمات العالمية تقود الي البيت الابيض، فسياسة اشعال حروب تبعد الاف الكيلومترات عن اراضي الولايات المتحدة وتنصيب حكام موالين وعزل اخرين مناوئين او استنفذت مهامهم هنا وهناك، استراتيجية اساسية لها وفلسفة اصيلة في كيفية تحقيق مصالحها من خلال السيطرة والتوسع الشئ الذي جعلها تؤمن ان مثل هذه السياسات امر يتعلق بامنها القومي مباشرة وهذا ليس بخفي أوجديد حيث يمكن رصدة بسهولة للمدقق علي مر التاريخ الامريكي ، وهذا ايضا يفسر تغير الادارات الامريكية دون تغير يذكر في السياسات الخارجية فالمتغير الوحيد هو كيفية التطبيق، او كماقال قائد البحرية الامريكية الاسبق علي سبيل المثال اي.ام. جري عام1990 (ان نهاية الحرب الباردة ستعيد بلورة اتجاهاتنا وتوجية سياساتنا الامنية في الخارج فقط لكن دون تغيير الاساسيات)، بل ان الامر يتعدي أكثر من ذلك بحيث يمكننا ان نقول ان هذا السلوك شئ مرتبط اساسا بكيفية تشأتها كدولة فمنذ هبوط اول المستوطنين علي القارة الامريكية كان التوسع الدموي والامحدود علي حساب السكان الاصليين المبدأ الاساسي الذي يحرك كل الامورحتي بات واجبا وطنيا في ذلك الزمان أو كما قال جورج كينان (كانت حماية مواردنا الطبيعية اساسية منذ ان هددت القبائل الهندية مصالحنا...) فمن يهدد من؟ وهذا بالطبع خلاف التوسع بمفهومة الطبيعي والسلمي لحضارة فتيه في يدها تغير مجريات التاريخ.
وبالتالي اصبحت الذهنية القائدة في الولايات المتحدة غير قادرة علي تخيل استمرار الدولة الامريكية دون وجود عدو ما حتي ولوتطلب الامر خلق هذا العدو، وهذا مايدفعنا بالقول ان حديث هنتجتون عن صراع الحضارات بضاعة امريكية قديمة وليست بالشئ الجديد عليها كما يظن البعض، والادلة علي ذلك كثيرة فمثلا يقول ودرو ولسون احد رؤساء الولايات المتحدة اوائل القرن العشرين (بما ان التجارة لا تعرف حدودا قومية وبما ان المنتج يحتاج الي العالم ليصبح بأجمعه سوقة التجاري فلابد اذن من ان يسبقة علم بلادة ..... ولابد ان يحمي رجال الدولة الامتيازات التي يحصل عليها رجال المال حتي ولو ادي ذلك الي تدمير سيادة الامم التي تحاول التصدي لذلك) وبالتالي ولكي يتحقق هدف التوسع ذلك وتستمر الدولة في الحياة كان لابد من توفير الذرائع للتغطية والمتمثلة في ايجاد اعداء علي الدوام ويعبر بول نيتز عن ذلك صراحة في المزكرة السياسية لمجلس الامن القومي عام 1948 (أن الولايات المتحدة تملك لاشك قوة عالمية، لذلك وجب نصب عدو شامل وتحويلة الي شيطان بطريقة تبرر اي تدخل أو اعتداء من قبل الولايات المتحدة واعتبارة ردفعل دفاعيا لتهديد شامل تعرضت له مسبقا، دفع بها لاتخاز هذا القرار) ، اليس هذا بالضبط ما جري و يجري الان؟ وتحدث عنه هنتجتون؟ فقط كل مافعله هو اعلان الاسلام شيطانا جديدا يجب ان يحارب بعد ان سقط الاتحاد السوفييتي، كعدو جديد يمنح امريكا مبرر جديد للسيطرة والاستمرار في الحياة، فبالمفهوم الامريكي لاتعني الحياة سوي التوسع والسيطرة علي كل شئ ويمكن لمس ذلك ايضا في الكتابات الامريكية الحديثة فمجلة Foreign Policy الامريكية في عددها ديسمبر2006 كتب احدهم ردا علي منتقد لسياسات الولايات المتحدة في العراق قائلا (...اكثر المصالح القومية حيوية هو امن السكان المحليين ،الاتعني حقيقة ان معظم قتلي الارهاب منذ 2003 كانوا فيما وراء البحارأن المكلفين بحماية ارض الوطن يجب ان يمتدحوا).
وبالتالي فأن الولايات المتحدة الامريكية كأمبراطورية وبأختصار تمثل وبحق نموزجا فريدا في التاريخ الانساني ، وليس ذلك بفوارق الامكانيات أوالانجازات أوحتي مدي الاتساع مقارنة بالامبراطوريات في التاريخ، فهذي مقايس تخضع لعوامل الزمان والمكان والظرف التاريخي، انما يكمن تفردها في الاسس الفكرية التي تقوم عليها، خاصة تلك المتعلقة بالنظرة الي الاخر، فهي لاتري فيه غير العدو والشيطان والمارق والشر الاكبر، الذي لايمثل عدوا بقدرما يمثل مصدرللحياة والاستمرار فيها، فبالفلسفة الامريكية اذا اردت الحياة فيجب ان تسيطر وتتوسع، وان شئت ذلك فيجب ان يكون لك اعداء اليست تلك بمفارقة؟ .. نعم انها المفارقة الامريكية
.

الاثنين، 25 ذو الحجة 1427 هـ


اعدام صدام حسين .. حقائق تاريخية بسيطة


عندما تتغطي مرايا نفس الانسان بشرخ اشبه ما يكون بشبكة العنكبوت، يكون بالكاد بأمكانه التطلع لما يختلج في صدرة، وكيف لا! فحين تختلط الاشياء الابيض والاسود، فرحة الميلاد والاعياد بالموت والحزن، الحب والكره بالصدق والخيانة، العدل بالظلم تصبح المرارة هي سيدة الموقف، هذا بالضبط ما حدث صباح اول ايام عيد الاضحي علي نبأ اعدام صدام حسين. فأضاء بقع كثيرة مظلمة في الذاكرة.

حقيقة تاريخية أولي

الي نهاية الثمانينات حين كنت يافعا تجذبني احاديث السياسة والسياسيين حيث (كان الناس عندهم نفس كما يقول ابي يرحمه اللة) ارحعني النبأ، وحينها لم أكن اعلم ان انهيار الاتحاد السوفييتي سوف يجعلنا نحارب وعلي كافة الجبهات وظهورنا الي الحائط، وأجزم ان صدام نفسه ولاحكام العرب كانوا يعرفون ذلك والا لما وفعت حرب الكويت، فكم كان من هللوا لسقوط السوفييت اغبياء!ويخطأ من يعتبر صدام المسوؤل الوحيد عنها.

وفي تلك الفترة لم اكن افهم ما يحدث لنا ولماذا ؟ لماذا كل هذا القدر بالشعور بالهزيمة والخزي؟! لماذا كل هذا الكم من اهدار الكرامة و انعدام القيمة كان يعشعش في دواخلنا؟! فلا قيادة ولامثل اعلي ولانموزج يتبع . فالكبار علي السواء في الداخل والخارج كانوا قد فقدوا مكانتهم عندنا كجيل. هم ايضا قالوا نفس الكلام حين استنطقناهم حتي بات الامر اشبه بالصفات الوراثية لامفر من ان ترثها، اصبح في عقلنا اننا امة غير قادرة علي التغير هكذا بالفطرة وهذا هو مصيرنا الي النهاية، وكل جيل يورث ذلك للذي يليه وهنا انقسمنا الي فريقين، فريق تبني وعاش الحلم الغربي الي مالانهاية، وفريق غرق في الماضي بكلياتة وغيب عقلة عله يتفادي الشعور بألم الحاضر، اذكر انه حين اتت الانقاذ وكنت في المدرسة الثانوية كانت كوادرالاحزاب تراهن علي انه يمكن التغير من خلال الشارع ولم نكن ندري كلنا بما فينا الانقاذ ان رجل الشارع يتهكم علينا جميعا ويقول (عشان يجي منو؟؟). فأصبح الحلم مجرد الحلم بالدولة القوية بالتعليم والصحة والحرية والصناعة والزراعة اشياء عصية علي التخقيق ومستحيلة المنال. انه الفراغ

حقيقة تاريخية ثانية

وحين صحونا ذات صباح ووجدنا صدام في الكويت ، هلل رجل الشارع وكبر فرحا بذلك وايد الغزو حتي وقبل ان يعرف الاسباب، هل تعرفون لماذا؟ لآن ذلك كان بمثابة الحجر الذي القي في البركة الساكنة، لانه الحدث الذي مس الوتر الخفي في قلبه والذي بين مدي الانفصال بين الشارع والحكام وقدر اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء ، فلقد بعث فيه املا في استرداد كرامتة المهدرة والمذبوحة بسكين الامريكان في قصور الحكام وعلي مذبح صهيون،وكيف لا؟ وهو يشاهد صواريخ صدام تتساقط علي اسرائيل وقواعد الخليج، فمن مطعم صدام ومغلق صدام واستديو صدام ومخبز صدام ومقهي صدام والمواليد الذين اطلق عليهم اسم صدام اصبح الرجل رمزا في ظل غياب القيادة والمثل الاعلي. الملهم الذي يوحي لرجل الشارع بأنه لازال قادرعلي ردع أعدائه. فلتة زمانه وصلاح الدين الجديد. فانظروا كيف تصبح الديكتاتورية حلما واملا وعقيدة عندما يسود الضياع واللاامل امة من الامم. فما الفرق بين ان نعبد صنما أو أن نتطرف حتي نرفض كل شئ حتي انفسنا؟ أولم يكن الوضع هكذا؟؟.
ومرة اخري يصحو هذا الشارع المتعب علي وقع الهزيمة وهدر الكرامة حين يحاصر نفس الرجل ويجبر علي التخلص من اسلحتة ويقتل العراق وتهدم قاعدتة العلمية التي لامثيل لها في العالم العربي وتغطي اراضية الاف طلقات اليورانيوم المنضب ليبقي الموت سنينا فيه.

حقيقة تاريخية ثالثة

بعد أنتهاء حرب الكويت ، ادرك رجل الشارع ان عصر النبوات قد انتها، عهد الرجل الاوحد انقضي، فلا مجال للاسكندر المقدوني أوصلاح الدين وقطز ونابليون. عرف ان لافرق بين حكامه، ولااختلاف بين من يسقط الصواريخ علي الاعداء ومن يتبجح بكل سماجة بأنها مجرد فرقعة، بين من يمنح الفرصة وعلي طيق من ذهب لللآجنبي ليتدخل ومن يحول بلادة لقاعدة تنطلق منها طائرات امريكا لتقتل الاطفال والنساء، ومرة اخري لاقيادة ولامثل اعلي انه الفراغ ثانية، ولكن مع فارق بسيط فقد تحول العراق وليس صدام حسين هذه المرة في ناظرية الي قلعة للصمود، فعصر الرجل الاوحد قد انتها بعد ان تحطم اخر الرجال، وبداء عصر الجماهير، أولا ترون تعامل الشارع مع انتصارات لبنان الاخير لقد تعامل مع المقاومة وليس حسن نصراللة.

حقيقة تاريخية رابعة

وفي هذه الظلمة غرقنا بكلياتنا مرة اخري في دوامة اللاثقة ، وثانية انقسمنا الي فريقين فريق الغرب وفريق الماضي وفي هذه الظلمة كان شعاع النور الوحيد صوت ايمانا داخلي خافت الصدي أن الديمقراطية والخرية هما الحل الاخير، فصمود شعب العراق تحت الحصار اثبت بما لايدع مجالا للشك أن الذي يتحمل ويصبر هي الشعوب وليس الحكام وأن الذين يكسرون ارادتنا هم نفسهم الحكام، فهذا ما اصبح حقيقة تاريخيا لايمكن اخفائها فغزو العراق الاخير هذه الحرب التي لاتملك ادنا قدر من الشرعية ، هذه الحرب التي عرف الجميع انها بنيت علي الكذب فلااسلحة دمار شامل ولاقاعدة ، حتي الشعب الامريكي والذي صرفت ملياراته سدا بات يعلم ان دماء ابنائه لايعوضها البترول، هذه الحرب التي منحت نظام صدام الشرعية مهما قال الكذابون والعملاء وحولته الي بطل كشفت و بشكل سافر الي اي مدي كان الحكام ضالعين في كل ماجري ، فمن اين انطلقت الطائرات؟ ومن أين تزودت البوارج؟ ومن أين دنس مشاة امريكا ارض الرافدين؟ فكلها اسئلة باتت معروفة الاجابة عند الشارع ودقت اسفينا عميقا بينه وبين الحاكم فهذه حقائق تاريخية لاتنكرونها.

حقيقة تاريخية خامسة

مهما انزوينا ومهما انكسرنا ومهما تشرنقنا في غيبوبة الغرب او الماضي يبقي الضمير الحي هو قلب الشارع، فلاامريكا ولا من دخلوا بغداد علي ظهور دباباتها استطاعوا اقناعنا بأنهم اتوا لخيرنا، لذلك لم يبقي سوي الطائفية والعشائرية سندا وحيدا ومصدرا اساسيا للسلطة والنفوذ، فما لايمكن اخفائه انه حين كان صدام في الحكم خفت الطائفية وانزوت هم يقولون بالقمع والقتل والترويع ولكن يبقي فاقد الشئ لايعطيه، فحين تعجز عن تقديم البديل تكون في نفس المصاف والادهي والامر ان القتل والترهيب والتشريد والآفقار فاق عهد صدام وتجاوزه والطائفية باتت هي اللغة السائدة ، كل هذا يصب في خانة صدام وليس العكس افضل وارحم بكثير، علي الاقل باتت له الشرعية فما بني علي باطل فهو باطل.

حقيقة تاريخية سادسة

لازلنا نكذب حين نصف صدام ونجعل منه السفاح الوحيد، والصوت النشاذ في السينفونية العربية، أن من يتعامل مع صدام بأعتبارة فرد يخطأ خطأ جسيما ويكون اما جاهلا واما كذابا، فصدام ظاهرة تاريخية في منظومة حكم ماثلة في كل بلد عربي، دون استثناء الا من رحم ربي، كل الفرق في كون ان حظه العاثر جعلة ضحية لقوي الاستكبار العالمي لتجعل منه باب اخر للولوج الي الامة وبشكل دموي، مشكلة صدام الاساسية انه شخصية وقعت فريسة لتجاذبات المتناقدات، فمن الفردية المطلقة والنفوذ المطلق والحكم المطلق الذي يجعل الانسان يفعل اي شئ ويقاربة الي حالة الشعور بالآلوهية الي التعامل مع الوقائع السياسية خاصة في حالة الهزيمة العربية الشاملة والعمالة المطلقة بأخلاق البدوي والتي تقوم علي الشهامة والرجولة والمروئة، وهذا ما يجعل عبد الباري عطوان رئيس تحرير القدس اللندنية يتسائل عن ما الذي يجعل صدام حسين يشتري بضائع من مصر بخمسة مليارات دولار ليفك ضائقتها وهو محاصر، ما الذي يجعلة يقدم النفط للاردن مجانا وهو كذلك وغير ذلك الكثير.
والخطاب العربي الرسمي بعد الاعدام علي استحيائة لازال يمارس نفس الاسلوب المكشوف والمفضوح للشارع، اسلوب الآلهاء تهربا من المسؤلية حين يقول بأن الاعدام كان يجب الايكون في عيد الاضحي، وكأن هذا هو لب الموضوع حتي لايتحدثوا حديث الشرفاء حديث الحرب غير الشرعية حديث المحكمة المهزلة حديث ضياع الحقيقة بستشهاد صدام فكنا نريد ان نعرف لماذا قتل وروع وشن الحروب من الذي ساعدة من المتورطين الذين اختفوا ما هي الحقيقة كاملة ، أن اعدامة وبهذه السرعة يضع الف الف علامة استفهام وكأن بعضهم خاف من استمرار الرجل في الحياة والبعض الاخر فضل ان يجعلة مطية لتسريع انجاز مصالحة.

حقيقة تاريخية سابعة

لطالما قتل صدام ، ولطالما ادخل بلادة اتون حروب كان يان يمكن تفاديها، واطالما تسبب في انكسارات للشارع العربي مثل رصفائة، ولكن حين نتحدث عن تأميم البترول يكون هناك فرق ، حين نتحدث عن بناء قاعدة علمية فريدة يكون هناك فرق، حين نتحدث عن محو الامية يكون هناك فرق والف فرق، حين نتحدث عن قصف الجسور ومحطاط الكهرباء وأصلاحها في زمن زجيز كالمعجزة وتحت الحصار يكون هناك فرق، حين نتحدث عن مواطن تكفل له الدوله حصتة الشهرية من الطعام وهي محاصرة يكون هناك فرق، عندما نتحدث عن عراق موحد تكون هناك الاف الفروق.




درس أخر من لبنان


الثورة البرتقالية درس اخرمن لبنان.


اصبحت الديمقراطية من اكثر المفاهيم تشوشا وغموضا خاصة ونحن نعيش العصر الامريكي، فعند من بيدة السلطة ثوب يفصل علي مقاسة تماما ليغطي عوراتة ويعكس فقط المعني الذي يخدم مصالحة، وعند المعارضة الشماعة التي تعلق عليها كل اوزار النظام وفي بعض الاحيان حتي حسناته حين يتهم بعدم الديمقراطية. وعند القوي العظمي حصان طروادة، وعند الضعفاء واجهه تحمي بها نفسها من جبروت الاقوياء. اما رجل الشارع في مرايا نفسه فهي قدركبير من الغموض واحيانا كثيرة كلمة تستخدم للتهكم (قال ديمقراطية قال).

مشكلة الديمقراطية الاساسية انها تحولت الي مجرد شكليات هذا علي الاقل في دول العالم الثالث، فالمعني والمفهوم وبالتالي الهدف من الديمقراطية في ابسط صورها ليس اكثر من ان يقول المرء ما يعتقد به قبله الاخرون اورفضوه، ان يؤمن الحاكم والمحكوم بأن له رأي ومن المحتمل ان يكون رأي الطرف الاخر هو الصواب، اما كيف نعبر عن ذلك او نطبق هذه الالية بمفهوم ويستمنستر للديمقراطية او بالنظام الرأسي الامريكي اوالمجلسي السويسري فلايهم ذلك كثيرا فالديمقراطية امر زماني ومكاني وليس منزلا المهم هو ان يكفل النظام التبادل السلمي للسلطة وحقوق الجميع، ولهذا عندما يقول جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي الشهيرة ان الارادة العامة هي الارادة المطلقة صاحبة السيادة في الدولة وهي ارادة اغلبية الشعب فأن ذلك قانون عام متروكه كيفية التعبير وتطبيقة للشعوب بناء علي طبيعنها وظرفها الخاص.

الا ان القاعدة شذت في الظاهرة اللبنانية الاخيرة، قياسا علي شبيهاتها في الدول العربية او اغلبية دول العالم الثالث، فللمرة الثانية يعطي هذا البلد الصغير للجميع درسا بليغا خاصة لمن بيدهم السلطة، فالدرس الاول كان للشعوب وهو يسطر ملحمة الصمود والتصدي في وجه العدوان الاسرائيلي رغم عدم التكافئ ورغم كل النقد الموجة له من المغرضين والذين تساقطت عنهم اوراق التوت خاصة في الدول العربية فما بات يخجلهم انكشاف عوراتهم امام شعوبهم، والثاني وهو الابلغ حين يقدم اللبنانيون حكومة ومعارضة مثلا حيا عن السلوك الديمقراطي والنهج السلمي في كيفية التعبير، وذلك حين تنزل المعارضة الي الشارع مطالبة بما تراه دون خوف من ضرب او اعتقال اومطاردة، فتقابله الحكومة بسلوك مشابه حين تسمح بالتجمع وتفسح لها الطريق ويكون دور اجهزتها تنظيم المتظاهرين وحمايتهم. انه شئ اشبه بالثورة البرتقالية كما يسميها البعض في اوكرانيا ولكن علي الطراز اللبناني وبانغام الدبكة، ولكن هناك فرق فالثورة الاوكرانية التي غيرت الحكم سلميا، ايدها مايسمي بالمجتمع الدولي (الرسمي) ودعمها ليس من اجل عيون الديمقراطية بل لان من قادوها تقاطعت مصالحهم مع الغرب، اما عيون الديمقراطية فهي من اهتمامات المجتمع الدولي (الشعبي) والذي وللاسف لاصوت له.

ومع ان نفس السلوك يجري اتباعه الان في لبنان حكومة ومعارضة ، اي السلوك الديمقراطي السلمي، فان المجتمع الدولي (الرسمي) وتوابعة العربية تسلك سلوكا مغايرا تماما فتنمية الديمقراطية واشاعتها ليس الموجه الاساسي لسلوكها كما يشاع فهي تتبع فقط الطرق التي تؤدي الي تحقيق مصالحها، لذلك فأن الثورة البرتقالية اللبنانية يعتبرونها انقلابا علي الديمقراطية وحركة همجية وارتدادا الي الوراء، وهو كذلك في مخيلتهم لانها حركة ترعاها الروح الطائفية وتغذيها دول الشر بحسب تصنيفهم، مع انها ثورة شعبية تقودها احزاب لبنانية من كافة المشارب والمذاهب والطوائف والاديان اما المسكوت عنه فهو ان الحلفاء في خطر ويجب دعمهم بشتي السبل حتي ولو اهدرت الديمقراطية ومن جانب اخر فانها فرصة مواتية لاشاعة الفوضي وتشكيك الناس في الديمقراطية نفسها حين يحصدون منها الموت والدمار والاقتتال وهذا ما عجزوا عنه حتي الان بالسلوك الديمقراطي السلمي للحكومة والمعارضة.
ومن جانب ثالث فان ذلك المجتمع الدولي (الرسمي) يخشي من ان يتحول هذا الدرس الي شرارة انتشار الديمقراطية الشعبية سلميا في المنطقة برمتها الشي الذي يقود الي كسر هيمنته علي المنطقة وهذا خط احمر.
صحيح المعدن الاصيل دائما يظهر في الازمات فهذا هو لبنان الحقيقي بوجهه المشرق وليس كما يريد البعض ان يعلمنا مجرد حسناوات يتراقصن في الفضائيات وشباب قنع لاخير فيهم ارهقهم ثقل السلاسل علي اعناقهم، وبلد لمتعة اثرياء العرب يصرفون فيه دولاراتهم من اجل ملذاتهم، احدهم قال والطائرات الاسرائيلية تدك لبنان (واللة افسدت المقاومة علينا هذا الصيف) تفرجوا!!.

تحية لحكومة لبنان
تحية لمعارضة لبنان
تحية لحكومة السودان لمبادرة الصلح التي تبنتها رغم مالديها من مشاكل اسوء مما في لبنان.

ايمن حاج